محمد عمر الحاجي

62

موسوعة التفسير قبل عهد التدوين

رحمه اللّه تعالى من مقدمته في أصول التفسير ، لما فيها من الإفادة والفائدة الشيء الكبير . فإن الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين ، والباطل الواضح والحق المبين ، والعلم إما نقل مصدّق عن معصوم ، وإما قول عليه دليل معلوم ، وما سوى ذلك فإما مزيّف مردود ، وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود . فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه : اختلافهم - المفسرين - في لون كلب أصحاب الكهف ، وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة ، وفي مقدار سفينة نوح وما كان خشبها ، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ، ونحو ذلك ، فهذه الأمور طريق العلم بها النقل ، فما كان من هذا منقولا نقلا صحيحا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كاسم صاحب موسى أنه الخضر ، فهذا معلوم ، وما لم يكن كذلك ، بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب - كالمنقول عن كعب ، ووهب ، ومحمد بن إسحاق ، وغيرهم ، ممن يأخذ عن أهل الكتاب - فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة ، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه ، وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه » « 1 » . وكذلك ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب ، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض . ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم ، ولهذا قال الإمام أحمد : ثلاثة أمور ليس لها إسناد : التفسير ، والملاحم ، والمغازي .

--> ( 1 ) فتح الباري : 5 / 323 ، المسند : 4 / 136 .